
الكتاب: غرباء حميمون
المؤلف: عزيز محمد
اللغة: العربية
الصفحات: 314 صفحة
الطبعة: الطبعة الأولى
دار النشر: دار رشم للنشر والتوزيع
سنة النشر: 2025
أفكار واقتباسات من رواية غرباء حميمون لـ عزيز محمد
يتسرّب إلى غرفتي ضباب أزرق، حاملًا معه أصوات الخارج: ضجيج محرك سيارة، وصرير مكابح متآكلة، والزمجرة الصاخبة لبوابة حديد. ثم صمت تام، لا يقطعه سوى تغريد قمْريٍّ حزين، كأنما ضلَّ الطريق عن سربه.ما حدث وقتها لم يكن قد أُدرِكَ بعدُ، ولكن النفس اللوامة تحدس بأنّ شيئًا ما حدث. ربما كان محدوسًا به منذ أعوام طويلة، وكان محسومًا على نحو غريزي أنها مسألة وقت. في تلك المنطقة الرخوة بين الصحو والنوم، يصبح من العبث النهوض لمجرد اتّخاذ موقف، لأن ردّ الفعل لن يغير شيئًا. يقرر الجسد أن يعود إلى غيابه. يقرر أن هذه اليقظة ليست أكثر من حلم. يقرر أنّه لن يبصر الآن.
حاول أن يرسل إليّ رابط مسابقة لتصميم المساجد، برعاية المطوّر العقاري الذي انتقل للعمل معه، ولكن الرابط لم يصل.
لكن هل ثمّة غير الكتابة يمكن أن نفعله بتلك الأشياء التي لا يمكن أن نعيش معها ولا يمكن أن ننساها؟ كل ما أعرفه هو أنني لا يمكن أن أكتب لأي شخص آخر، عدا الشخص الذي كان غيابه هو بداية الحكاية.
الناطحة عمود فقري للمدينة، علم يرفرف برّاقًا وشامخًا، ووتد راسخ. لا يهمّ أن تعجبك شخصيًّا ولا أن ترغب في السكن فيها أو العمل. بإمكانك أن تبني حولها مبانيك المستدامة والصديقة للبيئة، لكن من المهمّ أن تكون الناطحة في المركز. إنها قبح ضروري، قيمته تكمن في إحساس الرخاء الذي يمنح الجميعَ إيّاه، ليس في مبادئه ولا جمالياته، بل تحديدًا في كونه يتعالى على القياس الإنساني
حين أفكّر في أمي، لم يعد الشعور بالأسف يعتريني نحوها. على العكس، أعتقد أن حياتنا ستكون أفضل لو أنها ماتت منذ وقت طويل. وبخلاف ما كتبتُ سابقًا، فالحقيقة هي أن أمي كانت بسبب وهنِها قاسية، ووجودها أنهكنا من كل الجوانب. لقد محت نفسها من خلال انهزامها وتسليمها لأبي، وبذلك أبقتنا في دائرة العقاب. نجت بنفسها، ولكنها على عكسنا كانت تملك الخيار. كان يمكن أن ينتهي كل ذلك العنف مبكرًا لو أنها واجهته وعرّضت نفسها مرة لما تعرّضنا له من أذى. ولكنها ضحّت بنا من أجل أن تسلَم منه.
لعلّ وهم النضج الذي نكتسبه في سنّ متأخّرة لا يعني التجاوز، بل يعني أن نختبئ خلف جدار لا نرى ثقوبه العديدة. التناسي ليس سوى اجترار النكران. التصالح مع الماضي خلاصُ أولئك الذين تعثّروا في منتصف الطريق، لا أولئك الذين نشأوا في القعر. نحن تطاردنا العثرات. نتظاهر بالنهوض، نؤدي، نمارس ما نظنه حياةً صحية، ربما نصل إلى ما يدعى النجاح، لكن من الداخل نبقى موبوئين بالمكان الذي منه جئنا، منذورين بالنكوص إليه من جديد. يضنينا مرور الزمن، يضنينا ما كنا عليه، وكلما تملّصنا منه، أضنانا أكثر. من نحن لنتعافى من الأذى؟ لقد رضعناه.
لا أشعر أني رجل، بل ركام صخور تتحرك. العجيب أن جسدي يتحرك بخفّة محمومة، لكن كل خطوة تحمل ثقل العالم.
للحظات قليلة أصبح رحيلها وبقاؤها عندي سواء، بل تيقّنتُ أنني عما قريب سأحبّذ غيابها.
ولكني شعرت أنني، على الأقل، ملكتُ حياتي من جديد بعد أن خلتها تنفرط منّي إلى الأبد.
هذه المرة لم تبدُ لي ثقته المفرطة منفّرة، بل بدت درعًا ضروريًّا لخوض المخاطرة بروح صلبة، لأن الصلابة الذهنية في كثير من الأحيان هي الحد الفاصل بين الربح والخسارة.

0 مراجعة